الجمعة، 13 ديسمبر 2019

التلميذ والأستاذ





التلميذ والأستاذ
كان هناك رجل صوفي يدعي شفيق البلخي له تلميذ عُرف بالزهد فيما بعد ألا وهو
حاتم الأصم
فروي عنه أنه قال له شفيق يوما : منذ كم صحبتني ؟!
قال حاتم : منذ ثلاث وثلاثين سنة .
قال : فما تعلمت مني في هذه المدة ؟!
قال : ثماني مسائل .
قال شفيق له : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا
ثمانيَ مسائل ؟!
قال : يا أستاذ ، لم أتعلم غيرها ، وإني لا أحب أن أكذب .
فقال : هاتِ هذه الثماني مسائل حتى أسمعها .
قال حاتم : نظرتُ إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً، فهو و محبوبة
إلى القبر ، فإذا وصل إلى القبر فارقه . فجعلت الحسنات محبوبي ، فإذا دخلت القبر
دخل محبوبي معي .
فقال : أحسنتَ يا حاتم . فما الثانية ؟
فقال : نظرت في قول الله عز وجل {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
[النازعات:40-41] فعلمت أن الله سبحانه وتعالى هو الحق ، فأجهدت نفسي في دفع الهوى
حتى استقرتْ على طاعة الله .
الثالثة : أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل منْ معه شيء له قيمة ومقدار
رفعه وحفظه ، ثم نظرت إلى قول الله عز وجل {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ
اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96]. فكلما وقع لي شيء له قيمة ومقدار وجّهتـُه إلى الله
ليبقى عنده محفوظاً .
الرابعة : أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى
الحسب والشرف والنسب ،فنظرتُ فيها فإذا هي لا شيء ، ثم نظرتُ إلى قول الله تعالى :
{ إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } فعملتُ في التقوى حتى أكون عند
الله كريماً .



الخامسة : أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ، ويلعن بعضهم
بعضاً ، وأصل هذا كله الحسد ،ثم نظرت إلى قول الله عز وجل{نَحْنُ قَسَمْنَا
بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [ ص: 212 ] فتركتُ الحسد
واجتنبت الخلق وعلمتُ أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى ، فتركت عداوة الخلق
عني .
السادسة : نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضاً ،
فرجعت إلى قول الله عز وجل : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا}  [فاطر:6] فعاديته وحده واجتهدتُ
في أخذ حِذري منه ، لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركتُ عداوة غيره من
الخلق .
السابعة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيتُ كل واحد منهم يطلب هذه الكِسرة ، فيذل
فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ،ثم نظرت إلى قوله تعالى {ومَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على
الله رزقها ؛ فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركتُ ما لي عنده .
الثامنة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت بعضهم متوكلين على بعض ؛ هذا على ضيعته
وهذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحة بدنه ، مخلوق متوكل على مخلوق ،
فرجعت إلى قوله تعالى { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }
فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي .
قال شفيق : يا حاتم وفقك الله تعالى ، فإني نظرت في العلوم فوجدت جميع
أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه المسائل الثمانية .



هناك تعليق واحد:



  1. ربي الحي الستير

    في عهد سيدنا موسى - عليه السلام - جاءت سنة من القحط أي قلة المطر ـ فالدواب تصاب والأنهار تتبخر، والزرع يجف، والناس في تعب ونصب، ويقولون لسيدنا موسى -عليه السلام - ادعوا لنا ربك لينزل المطر.
    فدعا – عليه السلام - فما كان للدعوة إجابة.
    فخاطب سيدنا موسى ربه قائلا: يا رب دائما ادعوك وتستجيب لي فلماذا لا يستجاب لي هذه المرة؟!
    فقال الله عز وجل: لأن بينكم رجل يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة ولم يتوب إلى ولو مرة واحدة اجعله يخرج من بينكم.
    فعندما أخبر موسى - عليه السلام - ذلك لقومه فعرف الرجل نفسه.
    فقال في سره: يا رب عصيتك أربعين عاما وأنت تسترني الآن أتوب إليك فلا تفضحني.
    والناس في ترقب لكي يخرج العبد العاصي من بينهم.
    فإذا بالمطر ينزل دون خروج أحد من وسط قوم موسى.
    فتعجب سيدنا - موسى عليه السلام - لأن أحد لم خرج والمطر نزل فعندها سأل سيدنا - موسى عليه السلام - ربه عن هذا الرجل العاصي منْ يكون؟! هل تعلمون ماذا كان الرد من الله عز وجل:
    يا موسى عصاني أربعين سنة وأستره ويوم يعود لي تائبا افضحه.
    هل ترون لطف خالقنا وهو يرد على عبده؟! هل ترون رحمته وهو يستر منْ يعصاه؟! بل وإذا تاب توبة صادقة يتوب عليه؟! إذا كان خالقنا يعاملنا نحن عبيده بتلك المعاملة الطيبة فأين نحن في تعاملننا فيما بيننا؟!

    ردحذف